
بسّام عوده. _ شؤون عربية
في عالم تتسارع فيه وتيرة الابتكار وتتصاعد فيه المنافسة على امتلاك المعرفة، تبرز المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) بمشروع علمي يحمل رؤية حضارية متكاملة، تعيد من خلالها النظر في العلاقة بين الإنسان والعلم، استنادًا إلى القيم العميقة للحضارة الإسلامية ووعيها بالبعد الأخلاقي للعلم والتقدم.
تعتمد الإيسيسكو في مقاربتها على فلسفة ترى أن العلم ليس غاية تقنية أو اقتصادية فحسب، بل أداة لصياغة الإنسان وبناء المجتمع على أسس من العدالة والكرامة. وقد انعكست هذه الرؤية في مشاريعها ومبادراتها التي تدمج بين التكنولوجيا الحديثة والموروث الثقافي، وتمنح الأجيال الصاعدة أفقًا لإنتاج المعرفة ضمن إطار من الانتماء والوعي الحضاري.

ومن منطلق استشرافها المبكر لأهمية الذكاء الاصطناعي، بادرت المنظمة إلى وضع استراتيجيات تمكّن الدول الأعضاء من الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج، من خلال برامج تدريب وتأهيل تستهدف الشباب، وتعزيز استخدامات الذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة والإدارة، مع احترام الخصوصيات الثقافية والاعتبارات الأخلاقية.
وفي المجال البيئي، تنطلق جهود الإيسيسكو من وعي أصيل بطبيعة العلاقة بين الإنسان والطبيعة في الفكر الإسلامي، فطرحت مبادرات رائدة لإدارة الموارد المائية، ومواجهة التصحر، والتوعية بالتغير المناخي، إلى جانب دعم مشاريع الطاقة المتجددة التي تخدم المجتمعات الأكثر هشاشة.
ويعكس هذا الأداء المتميز القيادة الفاعلة للمدير العام الدكتور سالم بن محمد المالك، الذي تم اختياره نظراً لخبرته الواسعة ورؤيته المتقدمة. وقد استطاع بناء فريق عمل متناغم يشتغل بمهنية عالية، مما جعل من الإيسيسكو فاعلاً محوريًا على الساحة الدولية في قضايا العلوم والتكنولوجيا ذات البعد الحضاري.

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور المالك أن العلوم ليست محايدة بطبيعتها، بل يمكن أن تتحول إلى أدوات للهيمنة، أو وسائل لصنع التوازن والنهضة، معربًا عن إيمانه بقدرة المجتمعات الإسلامية على إنتاج علم نافع يعبر عن هويتها ويسهم في خدمة الإنسانية.
وتسعى الإيسيسكو في هذا الإطار إلى تمكين المجتمعات من إنتاج المعرفة بلغتها، من خلال دعم البحوث العلمية والنشر باللغة العربية، وإنشاء مراكز تفكير وابتكار، بهدف التحول من مجرد الاستهلاك الرقمي إلى الإنتاج المعرفي المستقل والمتفاعل مع المتغيرات العالمية.

وتعزز المنظمة جهودها عبر شراكات دولية مع مؤسسات علمية كبرى كاليونسكو، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وجامعات عالمية، لضمان انخراط الدول الأعضاء في مسارات التقدم التقني والتعاون الأكاديمي على أوسع نطاق.
هكذا، تسير الإيسيسكو بثبات نحو إرساء نهضة علمية شاملة في العالم الإسلامي، نهضة تستلهم تراث الأمة، وتستثمر أدوات العصر، وتصوغ ملامح مستقبل قائم على المعرفة، وموجه نحو الإنسان وقيمه وكرامته




