
بقلم : بسّام عوده *
في زمنٍ باتت فيه الكلمات تُستهلك
قبل أن تنضج، والمناصب تُمنح قبل أن تُستحق، تظل بعض الشخصيات استثناءً نادرًا، كأنها جاءت لتذكّرنا بما ينبغي أن تكون عليه صورة رجل الدولة. الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري ليس مجرّد اسم في سجل المناصب، بل تجربة فكرية متكاملة تمشي على قدمين، جمعت بين الدبلوماسية الرفيعة، والعقل الثقافي العميق، والبصيرة الوطنية التي ترى أبعد من اللحظة.
ولد الكوّاري عام 1948 في قرية الغارية بقطر، وفي قلب الصحراء التي تُنبت الحكمة من الصمت، ترعرع طفلٌ سيكبر ليحمل صوته إلى منابر العالم. منذ باكورة تعليمه، كان يميل إلى الكلمة والمعنى، ويمضي بشغف نحو أبواب المعرفة، متنقلاً بين الجامعات الكبرى في بيروت وباريس ونيويورك، حتى نحت لنفسه رؤية تؤمن بأنّ السياسة لا تكون عظيمة إلا حين تستند إلى ثقافة، وأنّ الثقافة لا تثمر إلا حين تكون في صلب القرار.
الدبلوماسي الذي لم ينسَ كتابه في الحقيبة
عبر سنواتٍ طويلة من العمل الدبلوماسي، من دمشق إلى واشنطن، ومن باريس إلى أروقة الأمم المتحدة، لم يكن الكوّاري مجرّد حامل لحقيبة رسمية، بل كان يسير وفي يده الأخرى كتاب. لم يكن يتحدّث بلغة المصالح الضيقة، بل بلغة القيم والحضارات. لقد آمن أن قطر ليست دولة صغيرة بحجمها، بل كبيرة بما تقدّمه للعالم من فكر وإنجاز ومعنى.

حين تولى وزارة الثقافة والفنون، ثم الثقافة والرياضة، بين 2008 و2016، لم يكتف بإدارة الملفات، بل بنى مؤسسات، وأطلق مبادرات، وسعى إلى أن يجعل من الثقافة القطرية جسرًا للتواصل بين الداخل والعالم، بين التراث والمعاصرة.
المثقف الذي نافس على قيادة اليونسكو
عام 2017، رشّحت قطر الدكتور الكوّاري لمنصب المدير العام لمنظمة اليونسكو، ولم يكن الترشيح مجاملة دبلوماسية، بل إيمانًا عميقًا بقدرته على تمثيل ضمير الثقافة العالمية. بلغ الجولة النهائية، وحصل على 28 صوتًا من أصل 58، وهو إنجاز غير مسبوق، عكس الاحترام الدولي لشخصه وفكره.
لقد دخل المنافسة لا بوصفه مجرد مسؤول، بل بوصفه مؤلفًا ومفكرًا وصوتًا عربيًا يفهم أن التراث الإنساني ليس ترفًا، بل ضرورة للبقاء. مؤلفاته مثل “دبلوماسية الثقافة” و”في مهبّ الثقافة” و”على قدر أهل العزم” ليست سردًا ذاتيًا، بل تحليلاً استراتيجيًا لدور الثقافة في العلاقات الدولية، وأدوات التغيير السلمي في عالم متنازع.

مكتبة قطر الوطنية: حيث تولد الأمم من الذاكرة
اليوم، يقود الكوّاري مشروعًا مفصليًا في مسيرة وطنه: مكتبة قطر الوطنية، التي تحوّلت إلى أكثر من مبنى ومعرض، لتكون منصة للتنوير، ومساحة للقراءة الحرة، ونقطة التقاء بين الأجيال. ليس غريبًا أن يعتلي هذا المشروع رئاسة مثقف لا يرى في الكتاب مجرّد ماضٍ محفوظ، بل مستقبل يُكتب.
لقد جعل من المكتبة بيتًا للثقافة المتعدّدة، وموقعًا للحوار، ومختبرًا لمشاريع النهضة، في وطنٍ يكتب نفسه من جديد على خارطة المعرفة.
المثقف حين يُعاتب الكبار… رسالة إلى فرنسا
وحده المثقف الحقيقي من يجرؤ على العتاب النبيل، لا من موقع الضعف، بل من مقام الوفاء للقيم. هكذا كان الكوّاري في رسالته المفتوحة إلى فرنسا، حين كتب مقالاً حمل عنوانًا موجعًا في دقته: “فرنسا التي نعرفها… هل ما زالت كما عرفناها؟”. لم يكن نصًا سياسيًا بقدر ما كان صرخة مثقف خَبِر باريس، وعرف مفكريها وساستها، وقرأ في روحها الفلسفية صورة للعدالة.
كتب بأسى العارف:
“كمن أحب فرنسا، وعاش فيها سنواتٍ من عمره، وعايش مواقفها عن قرب، وعرف عن كثب رجالاتها الكبار الذين ناصروا قضايا العدل ووقفوا بشجاعة إلى جانب الشعوب، يؤلمني أن أرى بيانها الأخير بشأن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، لا يتجاوز عتبة الإدانة والاستنكار.”

إنها ليست مجرّد فقرة في مقالة، بل موقف أخلاقي نابع من عمق إنساني، ومن إيمان الكوّاري بأنّ على المثقف ألا يساوم على القيم، ولو كان في مواجهة صديق قديم. هذا الحسّ النقدي الراقي، لا يصدر إلا عن رجلٍ يرى في الصمت خيانة، وفي الكلمات موقفًا من التاريخ.
خاتمة: المثقف حين يصعد إلى الدولة
قلّةٌ من رجال السياسة من يقفون على أرض الثقافة دون أن يغرقوا في التجريد، وقلةٌ من المثقفين من يصعدون إلى الدولة دون أن تُسحق رؤاهم تحت ثقل البيروقراطية. حمد بن عبد العزيز الكوّاري هو ذلك الجسر النادر بين العالمين: رجل دولة بمخيلة مثقف، ومثقف بمسؤولية رجل دولة.

في مسيرته درسٌ لنا جميعًا: أنّ الكلمة حين تُصاغ بصدق، يمكنها أن تُغيّر؛ وأنّ الثقافة ليست رفاهية في زمن الأزمات، بل هي قارب النجاة الأخير.
*كاتب صحفي ورسام اردني – تونس



