الدبلوماسيةالعالمالعالم العربيثقافة وفنون

بين الأصالة والمعاصرة: رؤية الإيسيسكو للهوية الثقافية الإسلامية

نشر خاص عن ( الايسسكو)

بقلم: بسّام عوده

في زمن تتسارع فيه التحولات، تبرز الحاجة إلى مؤسسات قادرة على صيانة الهوية دون أن تعزلها، وتحديث الفكر دون أن تفرغه من قيمه. هذا ما تحاول المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) أن تقدّمه من خلال رؤية ثقافية متجددة، تُحاكي الأصالة والمعاصرة.

فالثقافة، في تصور الإيسيسكو اليوم، لم تعد مجرد أدوات لحفظ الذاكرة أو شعارات مكرّرة عن التراث، بل تحوّلت إلى مشروع عملي لإعادة بناء الإنسان المسلم في سياقه المعاصر؛ إنسان منفتح على العالم، واثق من خصوصيته، ومؤمن بدور ثقافته في الإسهام في الحضارة الإنسانية.

المغرب: الحاضنة الروحية والثقافية

تنهض المملكة المغربية بدور مركزي في دعم هذه الرؤية، بوصفها بلد المقر، وحاضنة لتاريخ طويل من التعدد الثقافي والروحي. وقد مكّن هذا الإطار المغربي المنفتح، المنظمة من التحرك في فضاء يعترف بالتنوع ويحترم الثراء الحضاري

. “وانا شخصيا مدان للمملكة المغربية تعلمت فيها الفن التشكيلي وعاصرت عمالقة في الثقافة والفن والإعلام  ولازلت احمل هذا الفضل تاج اعتز به ” 

 

وقد تُرجم هذا الدور في احتضان الرباط للعديد من الفعاليات والبرامج الثقافية، وفي اختيار مدن مغربية كعواصم للثقافة الإسلامية، وفي الشراكات المتعددة مع المؤسسات الأكاديمية والعلمية. المملكة، برؤيتها الثقافية العريقة، وفّرت للإيسيسكو مناخًا يُمكّنها من تنفيذ مشاريع تتجاوز الفولكلور إلى بناء الفكر.

السعودية: فكر يقود ومشروع يُحدث الفرق

من جهة أخرى، شكّلت المملكة العربية السعودية نقطة ارتكاز استراتيجية في مسار الإيسيسكو، خاصة منذ تولي الدكتور سالم بن محمد المالك قيادتها. فالرؤية السعودية لم تكن يومًا محصورة في دعم مالي أو رمزي، بل باتت اليوم رؤية فكرية متكاملة، تُحفّز المنظمة على التحول إلى مؤسسة مؤثرة في صناعة السياسات الثقافية والتربوية.

تجلّى هذا الحضور في مبادرات نوعية مثل “التراث في العصر الرقمي”، و”المدن الذكية الثقافية”، وبرامج تمكين المرأة والشباب في ميادين الثقافة والعلوم. وقد أضفى هذا الزخم السعودي بُعدًا استراتيجيًا على المنظمة، حوّلها من إطار تقليدي إلى منصة حديثة للتفكير والعمل.

هوية منفتحة على العالم

بفضل هذا التكامل المغربي-السعودي، بدأت الإيسيسكو تُعيد تعريف الهوية الإسلامية بوصفها قوة اقتراح لا مجرد موقع دفاع. فالهوية هنا ليست جدارًا، بل جسرًا. ليست حالة انعزال، بل مشاركة متكاملة في الشأن الحضاري العالمي.

ترى الإيسيسكو أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الحفاظ على التراث فحسب، بل في جعله قابلًا للحياة، منتجًا للمعنى، ومصدرًا للإبداع والنهضة. ولذلك تجاوزت المنظمة النظرة النمطية للثقافة، وربطتها بالتنمية والعدالة والتعليم والاقتصاد، من خلال برامج تمتد من إفريقيا إلى آسيا، ومن المجتمعات الإسلامية في الغرب إلى الدول الأعضاء.

وقد عبّر الدكتور المالك عن هذا التوجه بقوله: “الخصوصية لا تتناقض مع الكونية، بل تتكامل معها حين تكون لدينا ثقة في قيمنا.” وهي عبارة تختصر جوهر ما تسعى الإيسيسكو إلى ترسيخه في وجدان الشعوب الإسلامية: أن نكون جزءًا من العالم دون أن نذوب فيه.

ثقافة لها وظيفة استراتيجية

في عالم تتنامى فيه موجات العنف والتطرّف والتهميش الثقافي، تبرز الحاجة إلى ثقافة لها وظيفة استراتيجية. ثقافة تصنع السلام، وتؤسس لفهم الذات والآخر، وتمنح المجتمعات القدرة على التماسك والإبداع. وهذا بالضبط ما تعمل الإيسيسكو على تحقيقه — ليس فقط عبر خطابها، بل من خلال سياساتها وشراكاتها ومشاريعها الميدانية.

إن الرؤية الجديدة للإيسيسكو، المدعومة من المملكة المغربية والمحفَّزة بفكر المملكة العربية السعودية، تفتح أمام الثقافة الإسلامية أفقًا جديدًا: أفقًا يستوعب العصر دون أن ينفصل عن الجذور، ويصوغ مستقبلًا لا يُلغي الذاكرة بل يُحييها بمعنى جديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content