العالم العربيالمجتمعتونس

مدرسة الصادقية في تونس: حين يطلّ العلم من أعلى الهضاب

بقلم: بسّام عوده *

حيث تعانق السماء من علٍ، وتطلّ على منارة جامع الزيتونة بكل وقار، تقف مدرسة الصادقية في قلب العاصمة التونسية، كصرح تربوي شامخ يحمل بين جدرانه ذاكرة وطن ومسار نهضة. فمنذ أن أسسها المصلح الكبير خير الدين باشا عام 1875، تحوّلت هذه المدرسة إلى أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية؛ إنها عنوان لإصلاح عميق غيّر وجه التعليم، وأسّس لجيل صنع استقلال البلاد وبنى جمهوريتها الحديثة.

رؤية إصلاحية سبقت زمانها

في وقت كانت فيه أغلب المدارس التقليدية تعتمد التعليم الديني البحت، جاءت الصادقية كمشروع فكري متكامل يزاوج بين العلوم الإسلامية والعلوم الحديثة، ويُدخل اللغات والرياضيات والفلسفة إلى قلب الفضاء المدرسي. كانت هذه خطوة ثورية آنذاك، أريد لها أن تُنتج جيلاً واعيًا، مثقفًا، ومؤهلاً للمساهمة في تطوير المجتمع والدولة.

مهد النخبة الوطنية وصانعة القرار

من بين جدرانها تخرّجت نخبة تونس الفكرية والسياسية، ممن لعبوا أدوارًا محورية في مقاومة الاستعمار ثم في قيادة الدولة بعد الاستقلال. أسماء لامعة مثل الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية، والطاهر الحداد، رائد الفكر التقدمي وحقوق المرأة، والبشير بن سلامة، من رموز النهضة الثقافية… جميعهم من أبناء الصادقية.

لم يكن هؤلاء مجرد خريجين، بل كانوا صُنّاع تاريخ ومهندسي مستقبل، أسسوا للإدارة، وسنّوا القوانين، وكتبوا فصولًا من التنوير الذي ما زالت تونس تجني ثماره حتى اليوم.

الصادقية: رمزية المكان ومجد المعنى

ليس من العبث أن تُشيَّد الصادقية على ربوة عالية تُشرف على جامع الزيتونة، كأنها تقول إن الحداثة لا تنفصل عن الجذور، وإن العلم الحديث ليس خصمًا للتراث بل امتداد له. هذا الموقع لم يكن جغرافيًا فقط، بل رمزيًا بامتياز، يجسّد توازنًا عميقًا بين الانتماء والتجديد.

حضور مستمر رغم التحديات

ورغم التقلّبات التي مرّت بها المنظومة التعليمية في تونس، ورغم صعود مؤسسات جديدة، ما تزال الصادقية تحتفظ بهيبتها ومكانتها، كأنها مرآة تعكس قصة التعليم التونسي منذ فجره الحديث. إنها تُذكّر كل زائر أن الرؤية المتقدمة للتعليم لا تصدأ، وأن رهان الإصلاح يبدأ دومًا من المدرسة.

 مدرسة… صنعت وطنًا

حين يُذكر اسم الصادقية، لا يُستحضر فقط مبنى أو مرحلة دراسية، بل يُستحضر مسار نهضة وتجربة وعي وطني. مدرسة أنجبت من حملوا لواء التنوير، وقادوا السفينة وسط العواصف، وبنوا مؤسسات ما بعد الاستعمار بالحكمة والعلم.

الصادقية ليست ماضٍ جميل، بل إرث حيّ، وأمل يتجدّد بأن تكون المدرسة التونسية مرة أخرى منبعًا للنخب الوطنية فكر وعلوم وذاكرة وطنية .

  • كاتب صحفي ورسام ، الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content