
قارئ التحولات ومهندس الكلمات
بورتريه ؛ بقلم بسّام عوده *
في مشهدٍ إعلامي يضج بالضجيج والتحزّب، يطلّ الصحفي الأردني ماهر أبو طير بهدوئه المعهود، كاتبًا بمدادٍ من وضوح وبصيرة، أقرب إلى الجراح منه إلى الخطيب، يشرحُ الواقع دون مبضعٍ جارح، ويترك للقارئ فسحة تأمل بين السطور.
ولد أبو طير في الأردن، ودرس الصحافة والعلوم السياسية في جامعة اليرموك، حيث تخرّج عام 1992. منذ بداية مسيرته، تشكّلت لديه حساسية مهنية مبكرة تجاه الأحداث الكبرى، فانخرط في الصحافة اليومية متنقلاً بين الأخبار والمقالات والتقارير، ليصقل خبرته في واحدة من أعرق الصحف الأردنية: صحيفة الدستور، التي مكث فيها أكثر من 12 عامًا محررًا وكاتبًا ومحللاً سياسيًا.
لكن ما ميز ماهر أبو طير عن غيره، ليس فقط تدرجه في المؤسسات الصحفية، بل قدرته النادرة على قراءة الأحداث بعين “الما وراء”، وتحويل الوقائع اليومية إلى مؤشرات لسيناريوهات أكبر. لم يكن مجرد ناقل أخبار، بل راصدُ تحولات، يكتب عن الأزمات كما لو كان يعيشها من الداخل.
تنقّل بين منصات عربية مرموقة، من مجلة الوطن العربي في باريس، إلى الأهرام العربي في القاهرة، والبيان الإماراتية، حيث شغل فيها منصب سكرتير تحرير، ليبني شبكة علاقات واسعة مع الصحفيين والكتّاب العرب، معززًا حضوره كاسم له وزنه في العالم العربي.
ماهر أبو طير لا يُخفي انحيازه للقضية الفلسطينية، لكنه يكتب عنها دون شعارات. في مقالاته عن القدس، أو تحليلاته للعلاقات الأردنية-الإسرائيلية، تتضح رؤية واقعية جريئة، تربط بين ما يجري في الميدان وما يُطبخ في الكواليس. وله في ذلك أسلوب فريد: يمزج التحليل السياسي بلمسة وجدانية خفيفة، تجعل حتى أكثر المقالات تعقيدًا، قابلة للهضم والفهم من القارئ العادي.
عُرف عنه أنه لا يلهث وراء الظهور الإعلامي، بل يختار بعناية توقيت ظهوره، وغالبًا ما يطلّ في البرامج السياسية عندما تتصاعد الأزمة، ليقدم قراءة عقلانية بعيدة عن الاستقطاب. وفي بودكاست “الغد” مؤخرًا، بدا أكثر قربًا من جمهوره، يتحدث كأنما يكتب، بنفس الهدوء والتماسك.
لا يكتفي أبو طير بالتحليل، بل يُدرّب ويستشير ويؤطر، فهو اليوم مستشار في الإعلام والأزمات السياسية، يساهم في إعادة صياغة الخطاب العام بعيدًا عن الخطاب الغرائزي، ويدعو لصحافة مسؤولة، لا تبني مجدها على الكراهية أو التهويل.
ورغم حساسيته من “الخطوط الحمراء” التي تحكم العمل الصحفي في الأردن، إلا أن مقالاته كثيرًا ما تلامسها برشاقة، ويخرج منها دون ضجيج، لأنه يُجيد فنّ قول كل شيء دون أن يقول كل شيء.
في زمن تُختزل فيه الصحافة إلى “بوست” أو “تغريدة”، يبقى ماهر أبو طير من الأصوات القليلة التي تحترم عقل القارئ وتثق بوعيه. كاتبٌ لا يبحث عن التصفيق، بل عن التوازن. صحفي في زمن الانفعالات، ورجل سياسة في بدلة إعلامي
- كاتب صحفي اردني _ تونس



