
بقلم: بسّام عوده _ شؤون عربية
ليست أهمية زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمملكة العربية السعودية محصورة في شخصيته المثيرة للجدل، بل تتجاوزها إلى تركيبة الوفد المرافق له، الذي يضم شخصيات رفيعة من إدارته إلى جانب كبار مدراء شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة. هذه التوليفة وحدها تقول الكثير عن نوع الرهانات المطروحة، وعن الموقع الذي باتت تحتله المملكة في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.
صحيح أن ترامب سبق أن اختار الرياض أولى محطاته الخارجية عام 2017، لكن زيارته الحالية – الأولى بعد إعادة انتخابه – تجري في سياقات مختلفة تمامًا. لم تعد المنطقة على حالها، ولم تعد واشنطن تتحرك من موقع القوة المطلقة، بل في عالم يعيد تشكيل مراكز ثقله وتحالفاته. ومن هنا، تتجاوز رمزية الزيارة بعدها البروتوكولي لتُصبح رسالة سياسية كاملة المعنى: السعودية شريك استراتيجي، لا يمكن تجاوزه.
الإدارة الأمريكية، على ما يبدو، تدرك أن المملكة العربية السعودية لم تعد مجرد لاعب اقتصادي أو حليف أمني، بل قوة إقليمية ذات مشروع، تقود تحولًا عميقًا في بنيتها الداخلية وعلاقاتها الخارجية، وتعيد رسم موقعها في النظام الدولي. وفي المقابل، تبدو الرياض في موقع من يبحث عن شركاء لا رعاة، وعن تفاهمات قائمة على الندية، لا التبعية.
من أبرز ملامح هذا التفاهم المحتمل يبرز ملف البرنامج النووي السعودي، الذي بات أولوية وطنية واستراتيجية للمملكة. وبينما تصر السعودية على حقها في امتلاك الطاقة النووية السلمية في إطار شفاف، تنظر الولايات المتحدة إلى هذا التوجه بكثير من الاهتمام – وربما الحذر – نظرًا لحساسية التوازنات الإقليمية، خاصة في ظل البرنامج النووي الإيراني.
لكن اللافت أن ملف التعاون النووي، إلى جانب ملفات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، يجد طريقه على طاولة النقاش. وهو ما يؤشر إلى نقلة في طبيعة العلاقة الثنائية: من شراكة أمنية محدودة إلى شراكة معرفية وتقنية تتجاوز الدفاع والسياسة، لتطال مستقبل الاقتصاد والتحول التكنولوجي.
في النهاية، يمكن القول إن زيارة ترامب الثانية للمملكة هي لحظة اختبار لمعادلة جديدة في الشرق الأوسط:
• شراكة ناضجة تحترم المصالح المتبادلة
• ملفات كبرى مطروحة بجرأة، من النووي إلى التحالفات الإقليمية
• ومملكة تتحرك بثقة، من موقع الفاعل لا التابع.
إنها زيارة لا تُقرأ من زاوية العلاقات العامة، بل من زاوية إعادة تشكيل مركز الثقل في المنطقة.
والمملكة، بكل المقاييس، باتت في القلب من هذه المعادلة



