الدبلوماسيةالعالم العربيتونسثقافة وفنون

تونس… منصة العمل العربي المشترك واستراتيجية الانطلاق في زمن التحولات 

تشهد الجمهورية التونسية هذه الأيام حراكًا عربيًا متصاعدًا يكرّس دورها المحوري كدولة مقر للمنظمات المتخصصة المنبثقة عن جامعة الدول العربية، ووجهة دائمة لانعقاد المجالس التنفيذية والمؤتمرات العلمية والثقافية. فمن مدينة الحمامات حيث التأمت أشغال الدورة العادية السابعة والثلاثين للمؤتمر العام للهيئة العربية للطاقة الذرية، إلى العاصمة تونس التي احتضنت اجتماعات المجلس التنفيذي للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، وصولًا إلى الاستعدادات الجارية لانعقاد الدورة الجديدة للمجلس التنفيذي للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) برئاسة المملكة العربية السعودية، تتواصل اللقاءات التي تعكس حيوية العمل العربي وتعدد مساراته على الأرض التونسية.

وقد شهد مؤتمر الهيئة العربية للطاقة الذرية نقاشات معمقة حول سبل تعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتنسيق الجهود العربية في مجالات الأمن النووي، وبناء القدرات العلمية في ظل التحديات البيئية والتكنولوجية المتزايدة. وهو ما يؤكد الحاجة إلى سياسات عربية موحدة في مجال الطاقة، وخاصة النووية، كمجال استراتيجي حيوي للأمن المستقبلي.

أما مجلس الإيسيسكو، فقد انعقد برئاسة مديرها العام الدكتور سالم بن محمد المالك، في سياق يشهد تحولات عميقة في أنماط التعليم والتعلم، وتهديدات متزايدة للتراث الثقافي في مناطق النزاع. وقد ناقش المجلس برامج جديدة لتعزيز التعليم الرقمي، وحماية الهوية الثقافية في العالم الإسلامي، ضمن رؤية تطويرية تسعى إلى ربط التعليم بالتنمية الشاملة والمستدامة.

وتستعد تونس الآن لاستقبال الدورة المقبلة للمجلس التنفيذي للألكسو، وسط ترقب واسع لما ستحمله رئاسة المملكة العربية السعودية من دفعة جديدة لآليات الإصلاح والتجديد داخل المنظمة، في إطار دعمها المتواصل للعمل الثقافي والتربوي العربي، وسعيها لترسيخ مكانة الألكسو كمؤسسة قادرة على مواكبة تحديات العصر.

وتأتي هذه اللقاءات المتلاحقة لتؤكد أهمية إعادة بناء استراتيجيات العمل العربي المشترك، وتطوير البرامج والمشاريع وفق رؤية عصرية تتماشى مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة. فالعالم اليوم يعيش على وقع ثورات تكنولوجية، وتحولات في مفاهيم الأمن والتنمية، ولم يعد بالإمكان الاستمرار في أنماط العمل التقليدية، بل لا بد من بلورة خطط جديدة تنبني على الشراكة، والابتكار، والاستباقية.

في هذا السياق، تتحول تونس  إلى منصة للتفكير الجماعي، والتنسيق الإقليمي، وتوجيه البوصلة نحو مستقبل عربي أكثر تكاملًا وتفاعلًا مع المتغيرات. فاحتضانها لهذه اللقاءات ليس حدثًا شكليًا، بل هو تعبير عن ثقة عربية راسخة في قدرتها على توفير فضاء آمن للحوار، ومناخ مؤسساتي منتج.

في المحصلة، فإن الزخم العربي الذي تعرفه تونس هذه الأيام يشكل فرصة استراتيجية لإعادة تقييم مسارات العمل العربي المشترك، والتأكيد على ضرورة تفعيل المؤسسات المتخصصة لتكون أذرعًا فاعلة في التنمية، لا مجرد كيانات رمزية. كما يسلط الضوء على أهمية بناء جيل جديد من الشراكات بين الدول العربية، يقوم على الرؤية والتخطيط المشترك والتكامل المعرفي والتقني، في مواجهة عالم تتغير معاييره كل يوم .

بسّام عوده _ رئيس تحرير 

شؤون عربية 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content