
بقلم : بسّام عوده
منذ صعود دونالد ترامب إلى السلطة، خاصة بعد فوزه بولاية رئاسية ثانية وتسلّمه رسميًا مهام الرئاسة في يناير 2025، عاد الجدل السياسي إلى الواجهة بقوة. لم تعد تصريحاته مجرد أداة انتخابية، بل تحوّلت إلى سياسات فعلية تحمل تهديدات حقيقية، أبرزها ما عبّر عنه مؤخرًا من نية لتوجيه ضربة عسكرية إلى مفاعل إيران النووي، ضمن تصعيد غير مسبوق في سياق الحرب المفتوحة التي تخوضها إسرائيل ضد إيران وقطاع غزة في آن واحد.
تصريحات ترامب الأخيرة، التي قال فيها: “قد نفعل، وقد لا نفعل”، أعادت التذكير بنمطه المعهود في استخدام الغموض كأداة ضغط سياسي ونفسي. وهي تصريحات تتماشى مع أسلوبه القديم-الجديد، الذي يتراوح بين التهديد المبطن والوعيد الصريح، وبين الوعود غير القابلة للتحقق والتلميحات الغامضة التي تفتقر إلى البعد الاستراتيجي. يكاد حديثه، كما يرى العديد من المحللين، أن يُقارن بخطاب المنجمين الذين لا يقدمون جوابًا حاسمًا، بل يطرحون فرضيات مفتوحة تحتمل النفي كما تحتمل الإثبات.
ترامب لا يُخفي انفعالاته، ولا يُقنّع شخصيته خلف البروتوكول السياسي كما يفعل الرؤساء عادة. بل يظهر بملامح الزهو والتعالي، وكأننا أمام نموذج سلطوي فرعوني حديث، يردد – ولو ضمنيًا – “أنا ربكم الأعلى”، عبر سلوك سياسي يوحي بتفرده وشعوره العميق بأنه فوق المساءلة والمحاسبة. هذه النزعة المتضخمة للعظمة، والميل إلى التهديد المتكرر للدول والمؤسسات، وحتى لخصومه داخل الولايات المتحدة، تكشف عن شخصية غير نمطية، تتغذى على الفوضى وتُجيد التمويه.
الغموض الذي يلف خطاب ترامب ليس صدفة، بل قد يكون جزءًا من استراتيجيته في التعامل مع الخصوم، لكنه غموض مكلف على الصعيد الدولي. فالدول الكبرى – كالصين مثلاً – لا ترى في تصريحاته أرضية مستقرة للحوار أو حتى للتنافس التقليدي، بل ترى فيه شخصية يصعب التنبؤ بأفعالها، ما يجعل بناء أي تصور واقعي للتعامل معه أمرًا معقدًا وخطيرًا في آن.
والمشكلة لا تكمن فقط في شكل الخطاب، بل في مضمونه أيضًا. إذ غالبًا ما يطلق ترامب تصريحات نارية سرعان ما يتراجع عنها أو يناقضها لاحقًا، مما يُفرغها من معناها ويجعلها أقرب إلى المناورات الإعلامية منها إلى السياسة المدروسة. هذا النمط في القيادة قد يُعزز من حضوره بين قاعدته الشعبية التي تعشق “الخطاب الخارج عن المألوف”، لكنه يُربك النظام الدولي الذي يرتكز على قواعد واضحة ومفاهيم دقيقة للعلاقات الدولية.
إن قراءة سلوك ترامب، من حيث التركيبة النفسية والسياسية، تضعنا أمام شخصية ذات نزعة سلطوية، تميل إلى صناعة الأزمات لا حلّها، وتُراهن على القوة والانفعال بدل الحكمة والحسابات الدقيقة. قد يرى البعض أن هذه الخصائص تمنحه مرونة في بعض الملفات، لكن المؤكد أن هذه النزعة، في عالم شديد التشابك، قد تُقربه من الهاوية أكثر مما تدفعه نحو الزعامة العالمية.
في النهاية، يبقى سؤال المستقبل مفتوحًا: هل سيستمر ترامب في إعادة تشكيل السياسة الأمريكية وفق رؤيته الفوقية؟ أم أن تراكم التناقضات في شخصه وخطابه وسلوكياته، إلى جانب تحركاته العسكرية تجاه إيران، سيفتح الطريق لانهيار صورته السياسية، داخليًا وخارجيًا، خاصة في ظل صعود قوى دولية مثل الصين التي لا تنظر إليه إلا بوصفه معضلة مؤقتة لا تلبث أن تزول ?



